أدلة الجهر بالذكر

إن الجهر بالذكر أمر مستحسن ليقوى الذكر على الذكر، فعندما يجهر الذاكر فإنه يؤثر على أشياء: فهو يحرك أذنه، ويطلق صوته فيسمع أذنه ، ويسمع قلبه، ويذكّر من حوله من الغافلين، ويعمل صوته ويحرك جسمه للذكر، فتنفعل الجوارح كلها للذكر، ويا حبذا لو أغمضت العينان أثناء الذكر، فتشاهد عينا قلبه صورة اسم [الله] ، فيصل ذكر الله للقلب عبر منافذه، فذكر اللسان هو سبيل للوصول إلى ذكر القلب ونفي الغفلة عنه، ويكون ذلك أشد تأثيراً عند الجهر بالذكر وإغلاق العينين، وفتح القلب، والجلوس في جو أنس وحضور مع الله عز وجل إن كان لوحده أو مع إخوانه الذاكرين، والجهر بالذكر سنة تضافرت الأدلة عليه ونذكر منها هذه الأحاديث:
1- روى البخاري من حديث عبد الله بن عباس – رضي الله عنهما – أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم قال: "وكنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته". ورواه الإمام أحمد وأبو داود وهذا الحديث من أحاديث العمدة، وفي الصحيحين من حديث المغيرة بن شعبة – رضي الله عنه – قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول إذا قضى الصلاة: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له" الحديث، ولا يسمع القول إلا إذا جهر به القائل.
2- وعن ابن الزبير رضي الله عنهما قال: كان رسول الله rإذا سلم من صلاته قال بصوته الأعلى : (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ولا حول ولا قوة إلا بالله )[1] . وتأمل عبارة: "قال بصوته الأعلى" فهي دلالة على أن رسول الله عليه الصلاة والسلام جهر بالذكر بأعلى صوته، وتأمل كيف يكون! .
3- وعن شداد بن أوس رضي الله عنه قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ قال: هل فيكم غريب يعني (أهل الكتاب) قلنا : لا يا رسول الله فأمر بغلق الباب فقال: ارفعوا أيديكم فقولا لا إله إلا الله فرفعنا أيدينا ساعة ثم وضع رسول rيده ثم قال: «الحمد لله اللهم إنك بعثتني بهذه الكلمة وأمرتني بها ووعدتني عليها الجنة إنك لا تخلف الميعاد ثم قال أبشروا فإن الله قد غفر لكم»[2].
4- قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ذاكر الله في الغافلين كالمجاهد في سبيل الله"[3] .
5- وعن السائب رضي الله عنه أن النبي rقال: «جاءني جبريل فقال: مُرْ أصحابك يرفعوا أصواتهم بالتكبير »[4] . فالجهر بالذكر هو أمر من أوامر الله عز وجل.
6- عن أبي قتادة أن النبي rخرج ليلة فإِذا هو بأبي بكر يصلي يخفض من صوته قال: ومرَّ بعمر بن الخطاب وهو يصلي رافعاً صوته، قال: فلما اجتمعا عند النبي r قال النبيr لأبي بكر : يا أبا بكر مررت بك وأنت تصلي تخفض صوتك قال: قد أسمعتُ من ناجيت يا رسول اللّه، قال: وقال لعمر: مررت بك وأنت تصلي رافعاً صوتك قال:فقال يا رسول اللّه أوقظ الوسنان، وأطرد الشيطان. زاد الحسن في حديثه: فقال النبيrيا أبا بكر ارفع من صوتك شيئاً وقال لعمر: اخفض من صوتك شيئاً".[5] فهذا دليل على أن الجهر بالذكر ولو كان ضعيفاً أفضل من الذكر الخافت، ألم ترَ كيف أنه r أمر سيدنا أبا بكر برفع صوته شيئاً وأمر سيدنا عمر بخفض صوته شيئاً ؟! فهو r لم يأمر الشيخين بالإخفات في الذكر.
7- وقد كان النبي r إذا سلم من الوتر ، قال: سبحان الملك القدوس ، سبحان الملك القدوس ، سبحان الملك القدوس ، ( ثلاثاً )ويمد بها صوته ، وبرفع الثالثة [6]. تأمل قوله: "ويمد بها صوته، ويرفع الثالثة".
8- وقال الإمام البخاري رحمه الله: «وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ يَخْرُجَانِ إِلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ يُكَبِّرَانِ وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا وَكَبَّرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ خَلْفَ النَّافِلَةِ، وَكَانَ عُمَرُ يُكَبِّرُ فِي قُبَّتِهِ بِمِنًى، فَيَسْمَعُهُ أَهْلُ الْمَسْجِدِ فَيُكَبِّرُونَ، وَيُكَبِّرُ أَهْلُ الأسْوَاقِ، حَتَّى تَرْتَجَّ مِنًى تَكْبِيرًا» .
فارتجاج منى بالتكبير لهو أدل دلالة على شدة رفعهم أصواتهم بذكر الله وتكبيره، وهو يدل أيضاً على جواز الذكر الجماعي وبصوت واحد كما يفعله السادة الصوفية رضي الله عنهم، وهذه سنة عن الصحابة في أيام منى كادت أن تموت في زماننا أتى الله لهذه الأمة من يحييها آمين.
9- روى ابن سعد في ((طبقاته)) بإسناده عن عمر بن عبد العزيز ، أنه كان يكبر : الله اكبر ولله الحمد - ثلاثا - دبر كل صلاة .
10- وقال القاضي أبو يعلى في ((الجامع الكبير)) : ظاهر كلام أحمد أنه يسن للإمام الجهر بالذكر والدعاء عقب الصلوات بحيث يسمع المأموم ، ولا يزيد على ذلك .
11- وقال عطية بن قيس : كان الناس يذكرون الله عند غروب الشمس ، يرفعون أصواتهم بالذكر ، فإذا خفضت أصواتهم أرسل إليهم عمر بن الخطاب أن يرددوا الذكر. خرجه جعفر الفريابي في ((كتاب الذكر)). فالجهر بالذكر أصل، وعندما تخفض الأصوات بالذكر ينبههم الفاروق رضي الله عنه أن يعودوا على ما كانوا عليه من رفع الأصوات في الذكر.
12- وقد فرق الشيخ ابن رجب الحنبلي رحمه الله بين الجهر بالذكر والجهر بالدعاء كما فعل السيوطي بعده فالأول مشروع والثاني مكروه فقال: وأما الدعاء ، فالسنة إخفاؤه . وقال الإمام أحمد : ينبغي أن يسر دعاءه لهذه الآية : ) ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها [7]( . قال : وكان يكره أن يرفعوا أصواتهم بالدعاء.
13- ويكفي في دليل الجهر بالذكر الجهر بالأذان، فكيف لا يجوز الجهر وألفاظ الأذان هي التكبير والتهليل، والدعوة إلى الصلاة؟!
14- وقال عمرو بن ميمون: قدم علينا معاذ بن جبل إلى اليمن رسولاً من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم مع السحر، رافعاً صوته بالتكبير، وكان رجلاً حسن الصوت، فألقيت عليه محبتي، فما فارقته حتى جعلت عليه التراب[8].
15- وروى الإمام أحمد في الزهد عن ثابت قال: كان سلمان في عصابة يذكرون الله فمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكفوا فقال: «ما كنتم تقولون؟ قلنا نذكر الله قال: إني رأيت الرحمة تنزل عليكم فأحببت أن أشارككم فيها ثم قال: الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم». فالحديث دليل على أنهم كانوا يذكرون الله جهراً وإلا لما كفوا عن الذكر.
16- وقال ميمون بن مهران: أدركت الناس وإنهم ليكبرون في العشر حتى كنت أشبهها بالأمواج من كثرتها.
17- وقال الشيخ ابن عطاء الله : وينبغي إن كان الذاكرون جماعة فالأولى في حقهم رفع الصوت بالذكر مع توافق الأصوات بطريقة موزونة فذكر الجماعة على قلب واحد أكثر تأثيراً وأشد قوة فيرفع الحجب عن القلب وأما أن هذا معارض بقوله تعالى: ﴿واذكر ربك في نفسك تضرعا وخفية ودون الجهر من القول﴾[9] فالحق ما بينه الإمام السيوطي في كتابه (نتيجة الفكر في الجهر بالذكر) حيث قال: إن الجواب عن هذه الآية يكون من ثلاثة أوجه: الأول: إنها مكية لأنها من الأعراف وهي مكية كآية الإسراء﴿ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها﴾ [10] وقد نزلت حين كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يجهر بالقرآن فيسمعه المشركون فيسبون القرآن ومن أنزله فامره الله بترك الجهر سدا للذريعة كما نهى عن سب الأصنام في قوله: ﴿ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم﴾ [11] وقد زال هذا المعنى.
والثاني: أن جماعة من المفسرين منهم عبد الرحمن بن يزيد بن أسلم شيخ مالك وابن جرير حملوا الآية على الذكر حال قراءة القرآن وأنه أمره بالذكر على هذه الصفة تعظيما للقرآن الكريم أن ترفع الأصوات عنده ويقويه اتصاله بقوله تعالى ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون﴾ [12] قلت: وكأنه لما أمر بالإنصات خشي من ذلك الإخلاد إلى البطالة فنبه على أنه وإن كان مأمورا بالسكوت باللسان إلا أن تمكين الذكر بالقلب باق حتى لا يغفل عن ذكر الله ولذا ختم الآية بقوله﴿ ولا تكن من الغافلين﴾ [13] .
الثالث: ما ذكره علماء الصوفية من أن الأمر في الآية خاص بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأما غيره فمن هو محل الوساوس والخواطر فمأمور بالجهر لأنه أشد تأثيرا في دفعها وأما قوله تعالى ﴿ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين﴾[14] فالجواب عنه من وجهين : إحداهما: أن الراجح في تفسيره أنه تجاوز المأمور أو اختراع دعوة لا أصل لها في الشرع فعن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه أنه سمع ابنه يقول: (اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة فقال إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «يكون في الأمة قوم يعتدون في الدعاء والطهور» [15] وقرأ هذه الآية فهذا تفسير صحابي وهو أعلم بالمراد) [16].
18- الثاني: على تقدير التسليم فالآية في الدعاء لا في الذكر والدعاء بخصوصه الأفضل فيه الإسرار لأنه أقرب إلى الإجابة ولذا قال تعالى ﴿إذ نادى ربه نداء خفيا﴾[17].
19- وقال الإمام السيوطي رحمه الله أنه وردت أحاديث تقتضي استحباب الجهر بالذكر وأحاديث تقتضي استحباب الإسرار به والجمع بينهما أن ذلك يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص ثم قال: إذا تأملت ما أوردنا من الأحاديث عرفت من مجموعها أنه لا كراهة البتة في الجهر بالذكر بل فيه ما يدل على استحبابه إما تصيحا أو التزاما وأما معارضته بحديث (خير الذكر الخفي) فهو تظهر فيه معارضة أحاديث الجهر بالقرآن بحديث (المسر بالقرآن كالمسر بالصدقة) وقد جمع النووي بينهما بأن الإخفاء أفضل حيث خاف الرياء أو تأذى به مصلون أو نيام والجهر أفضل من غير ذلك لأن العمل فيه أكثر ولأن فائدته تتعدى ويطرد النوم ويزيد في النشاط وقال بعضهم (يستحب الجهر ببعض القراءة والإسرار لأن المسر قد يمل فيأنس بالجهر والجاهر قد يكل فيستريح بالإسرار) .
20 - وأما حديث أبي موسى الأشعري في "الصحيحين[18] قال: كنا مع رسول اللهr، فكنا إذا أشرفنا على واد هلّلنا وكبرنا وارتفعت أصواتنا، فقال النبي r: يا أيها الناس اربعوا على أنفسكم...الحديث".
20- "قال الحافظ ابن حجر العسقلاني عند شرحه[19] : اِربعوا بهمزة وصل مكسورة، ثم موحدة مفتوحة، أي: ارفقوا ولا تجهدوا أنفسكم.اهـ".
فإنه r وعلى آله إنما أمرهم بالرفق، وهو إنما يقتضي ترك الصياح المفرط لا ترك أصل الجهر، جمعا بين الأدلة".
ومنه يظهر أن المراد بالجهر في قوله تعالى: )واذكر ربك في نفسك تضرعاً وخيفةً ودون الجهر من القول([20] أيضا، هو: الصياح البالغ، لا مطلق الجهر، جمعا بينه وبين الأحاديث الصحيحة الدالة على مشروعية الجهر بالقول في الذكر واستحبابه"...إلى آخر كلامه.اهـ.
JJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJ



[1] رواه مسلم (594) والترمذي (299).

[2] أخرجه الحاكم (1844)

[3] رواه البيهقي

[4]أخرجه أحمد (11/180) وأبو داود (1814) والترمذي (829) وصححه النسائي (2752) وابن ماجه (2923) والحاكم.

[5] سنن أبي داود

[6] صحيح أبي داود (1284)

[7] سورة الإسراء: 110 .

[8] أسد الغابة في معرفة الصحابة.

[9] سورة الأعراف الآية (205).

[10]سورة الإسراء الآية (110).

[11] سورة الأنعام الآية (108).

[12] سورة الأعراف الآية (204).

[13] سورة الأعراف الآية (205).

[14] سورة الأعراف الآية (205).

[15] سورة الأعراف الآية (55).

[16] أخرجه ابن ماجه (3864) والحاكم في مستدركه وصححه (1979).

[17] سورة مريم الآية (3).

([18]) "صحيح البخاري" 3/1091 ح 2830، و"صحيح" مسلم 4/2076 ح 2704.

([19]) "فتح الباري" 11/188.

[20][الأعراف: 55]

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الخليفه الشيخ الفاتح

اوراد واذكار الطريقه القادريه المكاشفيه

للشيخ المكاشفي كرامات ومكرمات يضيق بها كل مكان